طاهر سليمان حموده

107

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

وانقطاعه عن الناس في بيته بالروضة كان في مرتين أولاهما لم تدم أكثر من بضعة أشهر كتب فيها مقامته اللؤلؤية التي تسمى أيضا « التنفيس في الاعتذار عن ترك الفتيا والتدريس » . واعتزاله الثاني واعتكافه كان بعد عز له عن مشيخة البيبرسية في عام 906 ه ، وقد صمم في هذه المرة على عزلته وانقطاعه حتى وفاته عام 911 ه . على أن المقامة التي كتبها في الاعتذار عن الافتاء والتدريس تطلعنا على الآلام التي كان يعانيها من معاصريه والأذى الذي تعرض له من بعض من يكيدون له ، كما تبين لنا حالة الفساد التي ظهرت بالبيئات العلمية وجعلت الرجل يفكر في اعتزالها ، وفي هذه المقامة يعتذر السيوطي إلى أصدقائه عن تركه الحياة العامة فيذكر كثيرا من الأعذار مجملها أن الزمان قد فسد وظهر به من العلامات « ما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يلزم العالم عندها خاصة نفسه ، ويجلس في بيته ويسكت ويدع أمر الحياة من ذلك الشح المطاع ، ودنيا مؤثرة ، وهوى له ذو أتباع ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، وذلك عين الابتداع ، وقد مزجت الأمانات والعهود ، وكثر القائلون بالزور والشهود . . . الخ » « 1 » . ويتضح من حديث السيوطي كثير من أوجه الفساد التي عانى منها عصره والتي تطرقت إلى الحياة العلمية ، كما يدافع عن نفسه ويروى أن كثيرا من علماء السلف المعروفين قد اعتزلوا الحياة العامة حين شاهدوا فسادها ، ويتحدث عن اعتزاله للتدريس فيذكر أن تلامذته طبقات ثلاث : أولاها كان فيها خير ، والثانية كان بها خير وشر ، والثالثة كانت شرا كلها وساء حالها ، وهو يحاول بذلك تصوير استشراء الفساد شيئا فشيئا . ويذكر السيوطي أن فتاواه قد ملأت الأرض وأنه أهل للفتيا وقد انتفع الناس بعلمه ، ويبدو من أسلوبه العنيف في آخر رسالته مدى العداء الذي كان يناصبه أعداؤه ، فهو يهاجمهم هجوما لا هوادة فيه إذ يصف نفسه وما يبذله من الجهد في العلم وما يأتي به من أمور يعجز غيره عنها ثم ينظر فيجد نفسه بعد ذلك « بين

--> ( 1 ) المقامة اللؤلؤية ص 1 ( مخطوط بدار الكتب برقم 21174 ب ) .